الأربعاء 15 يوليو 2026 02:26 مـ 29 محرّم 1448 هـ
المجلة نيوز
رئيس مجلس الإدارةمحمد فوزي رئيس التحريرايمن أبو بكر
Embedded Image
×

منتصف الصيف بلا لهيب.. ماذا غيّر خريطة الحرارة في مصر هذا العام؟

الأربعاء 15 يوليو 2026 01:06 مـ 29 محرّم 1448 هـ
منتصف الصيف بلا لهيب.. ماذا غيّر خريطة الحرارة في مصر هذا العام؟

رغم أن صيف 2026 جاء أقل قسوة من المواسم الأخيرة، فإن التغيرات المناخية لم تمنح القطاع الزراعي فترة راحة كاملة، بل أعادت رسم خريطة المخاطر، فبدلًا من موجات الحرارة القياسية التي كانت تضغط على المحاصيل، برزت تحديات جديدة تمثلت في الانتشار الواسع للآفات والحشرات نتيجة ارتفاع الرطوبة وهدوء الرياح، وهو ما يفرض على المزارعين نمطًا مختلفًا من التعامل مع الموسم الزراعي.

وأكد مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية أن مصر وصلت رسميًا إلى منتصف الصيف المناخي، بالتزامن مع الأسبوع الأول من شهر "أبيب"، موضحًا أن عدد الأيام التي تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية انخفض بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات الأخيرة، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على أداء العديد من المحاصيل الصيفية.

لكن المركز شدد في الوقت نفسه على أن هذا الاعتدال لا يعني انتهاء الصيف أو استبعاد حدوث موجات حر قوية خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع استمرار احتمالات تشكل القباب الحرارية أو امتداد الكتل الهوائية الساخنة القادمة من شبه الجزيرة العربية.

محاصيل الصيف تستفيد من الاعتدال

وأوضح الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ، أن انخفاض الضغوط الحرارية منح المحاصيل فرصة أفضل لاستمرار عمليات البناء الضوئي دون توقف، وهو ما انعكس على تحسن النمو والإنتاجية في عدد من المحاصيل الاستراتيجية.

وأشار إلى أن محصول الذرة شهد تحسنًا في معدلات عقد وامتلاء الحبوب، مع انخفاض نسب فشل التلقيح التي كانت تحدث خلال موجات الحرارة الشديدة، بينما سجل الأرز تحسنًا في مراحل التفريع وتكوين السنابل، كما تراجعت معدلات تساقط الأزهار واللوز في القطن، وانخفضت ظواهر احتراق الأوراق وحروق الثمار، الأمر الذي ساهم أيضًا في تقليل احتياجات النباتات للمياه مقارنة بالسنوات التي سجلت درجات حرارة قياسية.

وتمثل هذه المؤشرات فرصة لتعزيز إنتاجية الموسم الحالي، لكنها تظل مرتبطة باستقرار الأحوال الجوية خلال الأسابيع المقبلة، وهو أمر لا يمكن الجزم به في ظل التقلبات المناخية المتسارعة.

الآفات تتصدر المشهد بدلًا من الحرارة

في المقابل، فرضت الظروف المناخية المعتدلة تحديًا جديدًا، حيث أدى ارتفاع الرطوبة مع هدوء حركة الرياح إلى توفير بيئة مثالية لتكاثر الآفات والحشرات بوتيرة أسرع من المعتاد.

ورصد مركز معلومات تغير المناخ زيادة ملحوظة في نشاط البق الدقيقي، والحشرات القشرية، والذبابة البيضاء، والجاسيد، والتربس، والمن، إلى جانب استمرار نشاط العنكبوت الأحمر في بعض المناطق، فضلًا عن دودة الحشد الخريفية التي ما زالت تستفيد من توافر العوائل النباتية.

وحذر فهيم من أن الحشرات الثاقبة الماصة لا تقتصر أضرارها على امتصاص العصارة النباتية، وإنما تمثل ناقلًا رئيسيًا للأمراض الفيروسية التي قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في محاصيل الخضر إذا لم يتم اكتشافها والتعامل معها مبكرًا.

النصف الثاني من الصيف قد يقلب الموازين

ورغم الأجواء المعتدلة نسبيًا، فإن النصف الثاني من الصيف لا يزال يحمل سيناريوهات متباينة، إذ قد تستمر الظروف الحالية بما يعني استمرار انخفاض الإجهاد الحراري مقابل تصاعد الضغوط الحيوية الناتجة عن انتشار الآفات.

أما السيناريو الآخر، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تعرض البلاد لموجة حر قوية خلال الفترة المقبلة، لتجد النباتات نفسها في مواجهة ضغطين متزامنين؛ الحرارة المرتفعة والإصابات الحشرية، وهو ما قد يضاعف حجم الخسائر الزراعية بصورة سريعة.

وجعلت التغيرات المناخية العالمية من الصعب الاعتماد على الأنماط التقليدية للطقس، إذ أصبحت التقلبات المفاجئة هي السمة الغالبة، الأمر الذي يفرض على القطاع الزراعي رفع درجة الاستعداد طوال الموسم.

توصيات عاجلة لحماية الإنتاج

ودعا مركز معلومات تغير المناخ المزارعين إلى تكثيف أعمال الفحص الحقلي مرتين أسبوعيًا على الأقل، للكشف المبكر عن الإصابات قبل انتشارها، مع تجنب استخدام المبيدات بصورة عشوائية أو وقائية دون وجود إصابة تتجاوز الحد الاقتصادي الحرج.

كما أوصى بتدوير المواد الفعالة للمبيدات لتقليل فرص اكتساب الحشرات للمقاومة، والاهتمام بالتسميد بالبوتاسيوم والكالسيوم، مع الحد من الإفراط في استخدام الأسمدة الأزوتية التي تزيد من جاذبية النباتات للحشرات الثاقبة الماصة.

وشملت التوصيات أيضًا تنظيم عمليات الري وتجنب تعطيش النباتات أو إغراقها بالمياه، مع إزالة الحشائش والعوائل البديلة المحيطة بالحقول، واستخدام المصائد المناسبة لمتابعة تطور أعداد الآفات واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

التغير المناخي يفرض نموذجًا زراعيًا جديدًا

وهذا التباين الكبير بين مواسم الصيف في السنوات الأخيرة يؤكد أن المناخ لم يعد يسير وفق نمط ثابت، فبينما شهدت مواسم سابقة موجات حرارة قياسية أرهقت المحاصيل، جاء الموسم الحالي أكثر اعتدالًا لكنه فتح الباب أمام مخاطر مختلفة تمامًا.

هذا الواقع يسلب المزارعين القدرة على الاعتماد على الخبرات التقليدية المتوارثة، ويجعل التوصيات الزراعية بحاجة إلى تحديث مستمر وفقًا لطبيعة كل موسم، وليس استنادًا إلى ما حدث في الأعوام السابقة.