المجلة نيوز

ايمن أبو بكر يكتب: أفحكم الجاهلية يبغون؟

الإثنين 2 نوفمبر 2026 12:05 مـ 21 جمادى أول 1448 هـ
الكاتب الصحفي ايمن أبو بكر
الكاتب الصحفي ايمن أبو بكر

قال الله تعالى في محكم آياته: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾** [المائدة: 50]، هذه الآية ليست مجرد استفهام قرآني يحمل في طياته إنكارًا لحكم الجاهلية، بل هي دعوة للتأمل في طبيعة الأحكام التي تحكم حياة البشر، وفي المعايير التي يستندون إليها حين يختلفون، وفي قدرة العدل على أن يكون أساسًا لاستقرار المجتمعات وصيانة حقوق الناس.

إن الجاهلية ليست بالضرورة زمنًا مضى وانتهى، ولا ترتبط فقط بمرحلة تاريخية سبقت الإسلام، وإنما قد تتجلى في سلوكيات وممارسات تتكرر كلما غاب العدل، وتراجعت قيمة الحق، وأصبح الهوى أقوى من الدليل، والمصلحة الشخصية مقدمة على مصلحة الجماعة، والقوة بديلًا عن الإنصاف.

فحين يحاكم الإنسان خصمه بمعيار، ويحاكم حليفه بمعيار آخر، نكون أمام صورة من صور غياب العدل، وحين تتحول الخصومة إلى وسيلة لتصفية الحسابات، ويصبح الاختلاف مبررًا للانتقام، وتُنتزع الوقائع من سياقها لتخدم أحكامًا مسبقة، فإن السؤال القرآني يظل حاضرًا بقوة: أي حكم نريد؟ وأي ميزان نحتكم إليه؟

إن العدل لا يقاس بمدى توافق الأحكام مع أهوائنا، ولا بمدى انتصارها لمن نحب أو إدانتها لمن نختلف معه، وإنما يُقاس بقدرتها على صيانة الحقوق، وتحقيق الإنصاف، وإقامة الحجة، ومنح كل ذي حق حقه، فالحق لا يتغير بتغير الأشخاص، والظلم لا يصبح عدلًا لمجرد أن ضحيته خصم لا نتفق معه.

وفي واقعنا المعاصر، تزداد الحاجة إلى استحضار هذه المعاني في ظل اتساع مساحات الجدل والاستقطاب، وتنامي الأحكام المتسرعة، وانتشار الخطابات التي تسعى إلى تقسيم المجتمع إلى معسكرات متعارضة، لا ترى في الآخر إلا خصمًا يستحق الإقصاء أو التشويه، وفي مثل هذه الأجواء، يصبح الاحتكام إلى المعايير العادلة ضرورة أخلاقية واجتماعية، وليس مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.

ولا يعني رفض حكم الجاهلية رفض الاجتهاد أو الاختلاف، فاختلاف الآراء سنة من سنن الحياة، وإنما يعني رفض الظلم والتحيز والازدواجية، والتمسك بمبادئ الحق والعدل، وعدم السماح للأهواء بأن تتحكم في الأحكام أو أن تبرر الاعتداء على حقوق الآخرين.

كما أن الإيمان بالعدل يفرض على الإنسان أن يبدأ بنفسه، فيراجع مواقفه، ويختبر أحكامه، ويتساءل بصدق: هل أقبل هذا الحكم لو كنت مكان الطرف الآخر؟ وهل أتمسك بالمعيار نفسه إذا تبدلت المواقع؟ وهل أبحث عن الحقيقة أم عما يؤكد قناعاتي السابقة؟

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس مجرد اختلاف أبنائها، بل أن تفقد الثقة في عدالة المعايير التي تنظم هذا الاختلاف، وأن يصبح الانتصار للذات أهم من الانتصار للحق، فعندما تسقط المعايير، تتسع دائرة الخصومة، ويصبح كل طرف قاضيًا في قضيته، ويختار من الأدلة ما يوافق هواه، ثم يطالب الآخرين بالتسليم بحكمه.

ولذلك، فإن استعادة قيمة العدل تبدأ من الوعي بأن الحق لا يُمنح لمن نحب فقط، وأن الإنصاف لا يتجزأ، وأن قوة المجتمعات لا تقوم على إسكات المختلفين، بل على وجود قواعد عادلة تحكم الجميع، وتحفظ الحقوق، وتضع حدودًا واضحة بين الاختلاف المشروع والاعتداء على الآخرين.

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ سؤال يتجاوز حدود التلاوة إلى مراجعة الضمير، ويمتد من الفرد إلى المجتمع، ومن المواقف الشخصية إلى المؤسسات التي تتحمل مسؤولية إقامة العدل، وهو تذكير بأن صلاح الأحكام لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات، وإنما بالالتزام الحقيقي بالحق، والابتعاد عن الهوى، والاحتكام إلى ميزان لا يتبدل بتبدل المصالح.

فحين يكون العدل هو الغاية، يصبح الاختلاف قابلًا للإدارة، وتصبح الخصومة قابلة للحل، وتبقى كرامة الإنسان وحقوقه مصونة، أما حين يحكم الهوى، فإن الباطل قد يجد من يبرره، والظلم قد يجد من يدافع عنه، لكن ذلك لا يغير من حقيقة الأشياء شيئًا.

إن السؤال القرآني في جوهره دعوة دائمة إلى مراجعة النفس قبل محاكمة الآخرين، وإلى إقامة العدل قبل المطالبة به ، وإلى إدراك أن الحق أسمى من الأشخاص والمصالح والخصومات، فليس كل ما يوافق أهواءنا عدلًا، وليس كل ما يخالفها ظلمًا، وإنما العبرة بميزان الحق الذي لا ينبغي أن يتغير بتغير مواقعنا من النزاع.